عبد الله بن أحمد النسفي

428

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 79 إلى 82 ] كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 79 ) تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ( 80 ) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( 81 ) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 82 ) 79 - كانُوا لا يَتَناهَوْنَ لا ينهى بعضهم بعضا عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ عن قبيح فعلوه ، ومعنى وصف المنكر بفعلوه ولا يكون النهي بعد الفعل أنهم لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه ، أو عن مثل منكر فعلوه ، أو عن منكر أرادوا فعله ، أو المراد لا ينتهون عن منكر فعلوه بل يصرّون عليه ، يقال تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه وتركه ، ثم عجب من سوء فعلهم مؤكدا لذلك بالقسم بقوله لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ وفيه دليل على أنّ ترك النهي عن المنكر من العظائم . فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عنه . 80 - تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا هم منافقو أهل الكتاب كانوا يوالون المشركين ويصافونهم لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لبئس شيئا قدموه لأنفسهم سخط اللّه عليهم ، أي موجب سخط اللّه وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ أي في جهنم . 81 - وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إيمانا خالصا بلا نفاق وَالنَّبِيِّ أي محمد صلى اللّه عليه وسلم وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ يعني القرآن مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ ما اتخذوا المشركين أولياء ، يعني أنّ موالاة المشركين تدلّ على نفاقهم وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ مستمرون في كفرهم ونفاقهم ، أو معناه ولو كان هؤلاء اليهود يؤمنون باللّه وبموسى وما أنزل إليه يعني التوراة ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يوالهم المسلمون ، ولكن كثيرا منهم فاسقون خارجون عن دينهم فلا دين لهم أصلا . 82 - لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ هو مفعول ثان لتجدنّ . عداوة تمييز وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا عطف عليهم وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى اللام تتعلق بعداوة ومودة . وصف اليهود بشدة الشكيمة والنصارى بلين العريكة ، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين ،